من أكثر الأسئلة التي تتردد في أذهان الناس عند نزول المصائب أو اشتداد الأزمات سؤالٌ عميق يقول: لماذا يبتلي الله المؤمنين؟ فقد يرى الإنسان مؤمنًا صالحًا يصيبه المرض، أو يفقد عزيزًا، أو يمر بضيق في الرزق، أو يتعرض لظلم شديد، فيتعجب: كيف يقع هذا لمن آمن بالله وأطاعه؟ وقد يتساءل آخر: إذا كان الله يحب عباده المؤمنين، فلماذا يقدر عليهم البلاء؟
هذه الأسئلة ليست جديدة، بل صاحبت البشر عبر العصور، وقد أجاب عنها القرآن الكريم والسنة النبوية إجابات واضحة تبعث الطمأنينة في القلب، وتبين أن الابتلاء ليس دليلًا على غضب الله، كما أنه ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون علامة على محبة الله لعبده، أو سببًا لرفع درجته، أو وسيلة لتكفير ذنوبه، أو اختبارًا يظهر به صدق إيمانه.
والإسلام ينظر إلى الابتلاء نظرة تختلف عن النظرة المادية التي تقيس النجاح بالراحة والغنى فقط، فالمؤمن يعلم أن الدنيا دار امتحان، وأن الآخرة هي دار الجزاء، وأن ما يقدره الله لعباده يجري وفق علمه وحكمته وعدله ورحمته، حتى وإن خفيت الحكمة عن العبد في بعض الأحيان.
ولذلك فإن فهم حقيقة الابتلاء من أهم ما يحتاج إليه المسلم، لأنه يمنحه الصبر، ويقوي يقينه بالله، ويجعله يتعامل مع المصائب بروح المؤمن الذي يعلم أن كل ما عند الله خير، وأن تدبيره سبحانه أكمل من تدبير الإنسان لنفسه.
لقد أخبر الله تعالى منذ بداية القرآن أن الابتلاء سنة ماضية في حياة البشر، فقال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]. فالآية تبين أن مجرد إعلان الإيمان لا يكفي، بل لا بد أن يمر المؤمن بمواقف يظهر فيها صدق إيمانه وثباته.
والابتلاء لا يقتصر على المصائب التي يكرهها الإنسان، بل قد يكون بالنعم أيضًا. فقد يبتلي الله الإنسان بالغنى كما يبتليه بالفقر، وبالصحة كما يبتليه بالمرض، وبالسلطة كما يبتليه بالضعف، لأن المقصود هو اختبار العبد: هل يشكر عند النعمة؟ وهل يصبر عند الشدة؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35].
ومن أعظم الحكم في ابتلاء المؤمنين تمييز الصادق من المدعي. فالإيمان الحقيقي لا يظهر في أوقات الراحة فقط، وإنما يتجلى عند الشدائد. فالإنسان قد يدعي الصبر والثقة بالله ما دام كل شيء يسير كما يريد، لكن عندما يفقد مالًا أو صحة أو منصبًا، يظهر مدى رسوخ إيمانه. ولهذا كانت الابتلاءات وسيلة لتمحيص القلوب، كما قال سبحانه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: 141].
ومن الحكم العظيمة أيضًا أن الابتلاء سبب لتكفير الذنوب والخطايا. فالإنسان بطبيعته يخطئ ويقصر، ورحمة الله اقتضت أن يجعل ما يصيب المؤمن من هم أو حزن أو مرض أو تعب سببًا لمغفرة ذنوبه إذا صبر واحتسب. وقد قال النبي ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه.» متفق عليه. وهذا يدل على سعة رحمة الله، وأن ما يظنه الإنسان شرًا قد يكون في حقيقته تطهيرًا له ورفعًا لدرجته.
كما أن الابتلاء يربي النفس على التواضع، فالإنسان إذا عاش في رخاء دائم قد ينسى ضعفه، ويظن أن ما عنده من قوة أو مال أو علم إنما هو بجهده وحده، أما حين يبتلى، فإنه يدرك حاجته إلى الله، ويعلم أنه لا غنى له عن ربه طرفة عين. ولهذا كان كثير من الناس يعودون إلى الله بصدق بعد الشدائد، فيكثر دعاؤهم واستغفارهم وتوكلهم عليه.
ومن الحكم أيضًا أن الابتلاء يقوي صلة العبد بربه. ففي أوقات الرخاء قد يغفل الإنسان عن الدعاء والذكر، أما إذا نزلت به مصيبة، فإنه يرفع يديه إلى السماء بقلب منكسر، يرجو رحمة الله ويطلب عونه. وهذا الانكسار بين يدي الله من أجلّ العبادات وأحبها إليه، لأن فيه اعترافًا بعظمة الله وضعف العبد.
وقد يكون الابتلاء سببًا في رفع درجات المؤمنين، حتى لو لم يكن عليهم ذنب يحتاج إلى تكفير. فالأنبياء عليهم السلام، وهم أفضل الخلق، كانوا أشد الناس بلاءً. وقد سئل النبي ﷺ: «أي الناس أشد بلاء؟» فقال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.» رواه الترمذي. ولو كان البلاء دليلًا على غضب الله، لما كان الأنبياء أكثر الناس ابتلاءً، ولكنهم كانوا أكثر الناس صبرًا، ولذلك رفع الله درجاتهم.
ومن يتأمل حياة الأنبياء يجد أن كل واحد منهم مر بابتلاء عظيم. فقد لبث نوح عليه السلام يدعو قومه قرونًا طويلة وهم يكذبونه، وأُلقي إبراهيم عليه السلام في النار بسبب تمسكه بالتوحيد، وواجه موسى عليه السلام طغيان فرعون، وابتلي أيوب عليه السلام بالمرض سنوات طويلة، وفقد يعقوب عليه السلام ابنه يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن، وهاجر يوسف عليه السلام صغيرًا ثم بيع عبدًا وسُجن ظلمًا، أما نبينا محمد ﷺ فقد فقد والديه في صغره، ثم فقد زوجته خديجة وعمه أبا طالب، وأُوذي في دعوته، وأُخرج من وطنه، وخاض معارك كثيرة، وكل ذلك وهو أحب الخلق إلى الله.
إن هذه النماذج تعلم المؤمن أن الابتلاء ليس علامة على نقص الإيمان، بل قد يكون دليلًا على قوة الإيمان وعلو المنزلة عند الله.
ومن الحكم العظيمة أيضًا أن الابتلاء يكشف معادن الناس. ففي أوقات الرخاء قد تبدو الأمور متشابهة، لكن عند الشدة يظهر الصابر من الجزوع، والشاكر من الساخط، والصادق من المدعي. ولهذا قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179].
وكثيرًا ما يكون البلاء بابًا لخير لم يكن الإنسان يتوقعه. فقد يفقد وظيفة فيجد عملًا أفضل، أو يمرض فيقترب من الله أكثر، أو يتأخر عنه أمر كان يتمناه ثم يكتشف أن الله صرف عنه شرًا عظيمًا. ولهذا قال سبحانه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]. فالعبد يرى ظاهر الأحداث، أما الله فيعلم عواقبها وحكمتها.
ولا يعني هذا أن المسلم يطلب البلاء أو يتمنى المصائب، فالنبي ﷺ كان يدعو الله بالعافية، ويقول: «سلوا الله العفو والعافية.» فالأصل أن يسأل المؤمن ربه السلامة، فإذا وقع البلاء صبر واحتسب، ولم يعترض على قضاء الله.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس الاعتقاد أن كل مصيبة عقوبة من الله، وهذا غير صحيح. فقد تكون المصيبة تكفيرًا للذنوب، أو رفعًا للدرجات، أو اختبارًا للإيمان، أو تذكيرًا للعبد بالرجوع إلى ربه، وقد تكون عقوبة في بعض الأحوال، لكن لا يجوز الجزم بسبب معين في حق شخص بعينه إلا بدليل. ولهذا ينبغي للمؤمن أن يحسن الظن بالله، وأن يستقبل البلاء بالتوبة والاستغفار والصبر.
كما أن من الأخطاء مقارنة حال المؤمنين بحال بعض العصاة أو الكفار، فيقال: لماذا يعيش بعضهم في نعيم بينما يبتلى المؤمن؟ والجواب أن الدنيا ليست ميزان الجزاء النهائي، وإنما هي دار اختبار للجميع، وقد يعطي الله الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، أما رضاه وجنته فلا ينالهما إلا أهل الإيمان. وقد تكون النعمة استدراجًا لبعض الناس إذا أعرضوا عن الله، بينما يكون البلاء للمؤمن سببًا في قربه من ربه.
والإيمان بالقدر يعين المسلم على فهم الابتلاء، فهو يعلم أن كل ما يصيبه قد كتبه الله بعلمه وحكمته، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وهذا اليقين يملأ القلب طمأنينة، ويمنع الإنسان من الاعتراض أو اليأس، ويجعله يقول كما علمه النبي ﷺ: «قدر الله وما شاء فعل.»
ولكي يتعامل المسلم مع الابتلاء بطريقة صحيحة، فإنه يجمع بين الصبر والرضا والدعاء والأخذ بالأسباب. فالصبر لا يعني ترك العلاج أو السعي، بل يبذل الإنسان ما يستطيع من أسباب مشروعة، مع توكله الكامل على الله، ورضاه بما يقضيه سبحانه بعد ذلك.
كما ينبغي أن يستثمر المؤمن أوقات البلاء في مراجعة نفسه، والإكثار من الذكر والاستغفار، والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، لأن كثيرًا من الناس خرجوا من محنهم وهم أقرب إلى الله، وأكثر إيمانًا، وأشد يقينًا مما كانوا عليه قبلها.
وفي الختام، فإن ابتلاء المؤمنين ليس دليلًا على غضب الله، ولا علامة على تخليه عن عباده الصالحين، بل هو سنة إلهية تجري على جميع البشر، وحكمة ربانية تتنوع مقاصدها بين تمحيص الإيمان، وتكفير الذنوب، ورفع الدرجات، وتربية النفوس، وتقوية الصلة بالله، وإعداد المؤمن لما هو أعظم في الدنيا والآخرة. وكلما ازداد العبد معرفة بربه، أدرك أن وراء كل ابتلاء رحمة، وأن تدبير الله خير من تدبير الإنسان لنفسه، وأن العاقبة دائمًا للمتقين.
ولهذا فإن المؤمن الحق لا يقيس محبة الله له بكثرة النعم أو قلة المصائب، وإنما يقيسها بما يجده في قلبه من إيمان، وما يوفقه الله إليه من صبر ورضا وثبات. فإذا أحسن الظن بربه، وصبر على قضائه، وأخذ بالأسباب المشروعة، أيقن أن كل ما يقدره الله له هو خير، وأن بعد العسر يسرًا، وأن وعد الله للمؤمنين حق لا يتخلف، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
💬 اترك تعليقك